أبي طالب المكي
61
علم القلوب
كان لم ينقطع منه شئ ، وأما الزاد فلا أدرى هل تزودت كما أمرت أم توليت وأدبرت ؟ ثم أنشأ يقول : ستزعجك المنايا عن قرارك * ويبدلك الردى لحدا بذاك وتترك ما شقيت به زمانا * وتنقل من غناك إلى افتقارك وعينك في محل الدود تبلى * وترتع عين غيرك في ديارك فبادر توبة لتحل دارا « 1 » * تلذبها وتنعم مع جوارك على ورد ونسرين زكى * وريحان الجنى مع جلنارك ثم قال : إن الطبيب إذا سقى الشبعان دواء أتعب نفسه ، وضيع متاعه ، ثم خرج وهو يقرأ : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ [ الدخان : 25 - 27 ] . وقيل : الحكيم لا يزداد حكمة إلا ازداد من ربه خوفا ، وإليه قربا ، ومع الخلق تواضعا ، والعالم غير الحكيم ، لا يزداد علما إلا ازداد من اللّه أمنا ، وعن اللّه بعدا ، ومع الخلق تكبرا . وقال بعض أهل المعرفة : الناس في العلم والحكمة على أربع طبقات : رجل عالم لسانه ، جاهل قلبه ، فذلك العالم الفاجر ، وهو الذي يقول [ فيه ] عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه : كم من عالم فاجر ، وعابد جاهل ، فاتقوا الجاهل من المتعبدين ، والفاجر من العلماء ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان » ، جاهل القلب يقول ما تعرفون ، ويفعل ما ينكرون . قال الحسن : يتعلم العلوم قوم لا نصيب لهم منه في الآخرة ، تحفظ أيديهم العلم لئلا يضيع . والثاني : رجل عالم قلبه ، جاهل لسانه ، فذلك العالم التقى الخائف ، كما قيل [ لبعض ] أهل المعرفة : أكان فتح من العلماء ؟ قال : كفاه من علمه زهده في الدنيا ، واللّه تعالى يقول : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] ، ومن ترك الفاني للباقي فهو العالم الحقيقي . والثالث : رجل عالم لسانه ، عالم قلبه ، فذاك العالم الرباني ، وهم الذين وصفهم
--> ( 1 ) في الأصل : تحيل بدار .